خليل الصفدي
392
أعيان العصر وأعوان النصر
ويوقظ البصائر بإرشاده من كل ذي طرف هاجع ، ويميل عطف من يسمعه ، فإنه على غصن منبره بليل حلّته بلبل ساجع ، وليستدرج القلوب الطائرة إلى لقط حب التوبة ، ويستخرج خبايا الندم على ما فات فكم للنفوس من أوبة بعد عظيم الحوبة ، ويغسل درن الذنوب بذكر الممات ، فكم لصخر القساوة به من لين وذوبة ، وإذا وعظ فلا يعظ إلا نفسه التي يمحضها النصيحة ، وإذا ذكّر فليذكر في ذلك الجمع انفراده إذا سكن ضريحه ، فإن ذلك أوقع في نفس السامع ، وأجلب لسح الجفن الهامي بالدمع الهامع ، وليأخذ لذلك طيبه العاطر ، وزينته ، ويرقى درج منبره بوقاره الذي لا تزعزع الرياح سكينته ، وليبلّغ السامعين بإفهام واقتصاد ، ويذكّرهم بتقوى اللّه - تعالى - والموت والمعاد . وليأت بأدب الخطيب على ما يعلمه ، ويحذر من تقعير اللفظ الذي يكاد أن يعربه فيعجمه ، وتقوى اللّه تعالى جنّة واقية ، وجنة راقية وسنّة باقية ، فليلبس حلّة شعارها ، ويعلي منازه منارها ، واللّه يليّن لمقاله جامد القلوب ، ويمنح بعظاته ما سود الصحف من الذنوب ، والخط الكريم أعلاه حجة بمقتضاه ، واللّه الموفّق بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - . وكان القاضي محيي الدين بن فضل اللّه لما تولى كتابة السر بعد شمس الدين بن الشهاب محمود قد رتّب جمال الدين المذكور في ديوان الإنشاء كاتب الغيبة على الموقعين ، وكان يحضر الديوان بكرة وعصرا ، ويكتب اسم من تغيّب ، ويؤخذ من كل من غاب من جامكيته ما يخص كل يوم ، ولازم الديوان مدة ، فتاقت نفسه ليكون من جماعة الجماعة في الموقعين ، وأخذ يرشّح نفسه لذلك ، وينجمع عن الناس ، وخلع ذلك الثوب الذي كان لبسه ، فسلّطوا عليه الفخر عثمان النصيبي الذي كان يدخل إلى تنكز ، ويمسخر بالناس عنده ، فدخل يوما إلى تنكز ، وقال : يا خوند ، هناك صبي ، وما أقدر أعمل شغلا إلا به ، فقال : اطلبوه ، فطلب في الحال فأحضر ، وأخذ عثمان يمسخر ، وينزل في قذاله ، فتألّم جمال الدين المذكور لذلك ألما عظيما ، وكاد يسافر من دمشق ، وتيقّظ له جماعة الشعراء في ذلك العصر ، ونظموا فيه مقاطيع كثيرة ، وجمعها زين الدين عمر بن الحسام « 1 » الشاعر ، وعملها صورة مقامة ، وكتب بها نسخ كثيرة ، ومما نظم في هذه الرقعة : ( السريع ) يوسف الشّاعر من نقصه * يروم جهلا رتبة الفاضل تطلّب التّوقيع في جلّق * فجاءه التّوقيع في السّاحل وأنشدني من لفظه في فرس أدهم : ( البسيط ) وأدهم اللّون فات البرق وانتظره * فغارت الرّيح حتّى غلّبت أثره
--> ( 1 ) سبقت ترجمته .